ابن تيمية
228
المسائل الماردينية
حاله كحاله في الباطن ، وقد يظن الإنسان خفاء ذلك ، فيظهر ، فيورث مفاسد كثيرة - ويفتح أيضًا باب التأويل . وصار هذا كالمظلوم الذي لا يمكنه الانتصار إلا بالظلم ، كالمقتص الذي لا يمكنه الاقتصاص إلا بعدوان ، فإنه لا يجوز له الاقتصاص ، وذلك أن نفس الخيانة محرمة الجنس ، فلا يجوز استيفاء الحق بها ، كما لو جرعه خمرًا ، أو تلوط به أو شهد عليه بالزور ، لم يكن له أن يفعل به ذلك ، فإن هذا محرم الجنس ، والخيانة من جنس الكذب . فإن قيل : هذا ليس بخيانة بل هو استيفاء حق والنبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن خيانة من خان ، وهو أن تأخذ من ماله ما لا تستحق نظيره . قيل : هذا ضعيف ؛ لوجوه : أحدها : أن الحديث فيه : أن قومًا لا يدعون لنا شاذة ولا فاذة إلا أخذوها أفنأخذ من أموالهم بقدر ما يأخذون ؟ فقال : " لا ، أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك " وكذلك قوله في حديث الزكاة : أفنكتم من أموالنا وبقدر ما يأخذون منا ؟ فقال : " لا " . الثاني : أنه قال : " ولا تخن من خانك " ، ولو أراد بالخيانة : الأخذ على طريق المقابلة لم يكن فرق بين من خانه ومن لم يخنه ، وتحريم مثل هذا ظاهر ، لا يحتاج إلى بيان ولا سؤال ، وهو قوله : " ولا تخن من خانك " ، فعلم منه أنه أراد : أنك لا تقابله على خيانته فتفعل به مثل ما فعل بك ، فإذا أودع الرجل الرجل مالًا فخانه في بعضه ، ثم أودع الأول نظيره ففعل به مثل ما فعل ، فهذا هو المراد